اخبار الاقتصاد

اقتصاد الصين يتعافى بعد السيطرة على وباء «كورونا»

بحلول منتصف يناير من عام 2020، عندما كان العديد في الصين يستكملون خطط السفر استعداداً لقضاء عطلة رأس السنة القمرية الجديدة، بدأت الشائعات تنتشر عبر شبكات الإنترنت حول ظهور مرض جديد غامض فى مدينة ووهان بوسط الصين.

 

ومع ذلك، عندما انتشرت الأخبار فى 25 يناير بأن المدينة بأكملها، التى تبلغ كثافتها السكانية 11 مليون نسمة، ستدخل فى حالة إغلاق، كان هناك صدمة واسعة النطاق، وتم تعليق الاحتفالات التى تضم عادة نصف سكان البلاد الذين يستقلون القطارات والحافلات للتوجه إلى منازلهم للاجتماع مع أسرهم والاستمتاع بالأعياد والألعاب النارية.

 

ولم يتوقف النشاط فى مدينة ووهان فقط، بل فى جميع أنحاء البر الرئيسى، فقد كان الناس مترددين فى خوض مغامرة الخروج، لذا استبدلوا رزم حمراء من المال وقاموا بالتسوق بشكل افتراضى بدلاً من التوجه بأنفسهم للمحلات، وبالتالى ارتفعت المبيعات عبر الإنترنت لكل شىء، بداية من ألعاب ما جونج إلى أجهزة المشى.

 

وبنهاية الربع الأول من عام 2020، انكمش الناتج المحلى الإجمالى الحقيقى لدولة الصين بنسبة %6.8 عن مستواه المسجل فى الربع الأول من عام 2019، بحسب ما نقلته مجلة «نيكاى آسيان ريفيو» اليابانية.

 

ومع ذلك، بعد مرور عام، تحديداً فى منتصف فبراير، مع اقتراب «عام الفأر» أخيراً من نهايته المرحب بها، خرجت الصين من جائحة «كورونا» سالمة نسبياً، فعلى سبيل المثال استطاع مطعم الوجبات السريعة «ماكدونالدز»، فى ديسمبر الماضى، تسجيل شهرا أفضل مما كان عليه الوضع فى ديسمبر 2019، أى قبل تفشى الوباء مباشرة.

 

وبعبارة أخرى، اقتصاد الصين آخذ فى التعافى، فهو الاقتصاد الرئيسى الوحيد فى العالم الذى حقق نمواً إيجابياً لعام 2020 بنسبة %2.3.

 

وفى الواقع، مع ارتفاع الناتج المحلى الإجمالى الصينى بنسبة 6.5% فى الربع الأخير من عام 2020، عاد البر الرئيسى إلى مساره الاقتصادى المسجل قبل تفشى الوباء، كما يمكن لكل من تايوان وفيتنام فقط التباهى بالأمر نفسه.

 

وذكرت المجلة اليابانية، أن الصين استطاعت السيطرة على موجة ثانية من وباء «كوفيد-19» عاودت الظهور فى المناطق الشمالية من البلاد فى يناير الماضى، وذلك من خلال اتخاذ إجراءات أثبتت فعاليتها فى العام الماضى، بما فى ذلك الاختبارات الجماعية وفرض قيود على السفر، ما يعنى أن بكين أصبحت قادرة الآن لصرف انتباهها عن التحدى الفورى للوباء.

 

فى الماضى، كان تركيز الصين بشكل عام على تعظيم النمو، لكن السياسة الحالية تتعلق أكثر بتحسين جودة النمو، وهذا يعنى أن النمو سيكون أقل اعتمادا على الائتمان من الآن فصاعدا، وأن المخاطر المالية المحتملة الناتجة عن اقتراض الشركات والأسر المفرط قد انخفضت.

 

كما أن التركيز على خفض مستوى المديونية يتناقض بشكل كبير مع السياسة الرسمية فى بقية دول العالم المتقدم، التى تعتمد اليوم على مزيج من السياسات المالية والنقدية التى تتميز بشراء الأصول المالية وأسعار الفائدة الصفرية، ما يشجع على المخاطرة فى الأسواق المالية وفقاعات الأصول.

 

وجدير بالذكر أن التركيز على جودة النمو آخذ فى الازدياد منذ عدة أعوام، فعلى سبيل المثال زاد نمو الدين كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى بأكثر من 8% فى الفترة بين عامى 2012 و2016، لكن بكين خفضت هذا الرقم بشكل كبير فى عام 2017 ليصل إلى ما يزيد قليلاً على 1%، خاصة من خلال تضييق الخناق على التعطش للاقتراض من الحكومات المحلية، بحسب بيانات من هيلين تشياو، التى تترأس الأبحاث الاقتصادية الآسيوية لدى «بنك أوف أمريكا».

 

ومع ذلك، تم تخفيف هذه السيطرة للتعامل مع تداعيات الوباء خلال العام الماضى، ما أدى إلى زيادة نسبة الدين إلى الناتج المحلى الإجمالى بأكثر من %300.

 

لكن فى الوقت الراهن، لم تهدر بكين أى وقت فى إعادة فرض القيود على الاقتراض، إذ يستهدف التشديد بشكل خاص المطورين العقاريين، بشهيتهم الشرهة للديون، لتقليل الرافعة المالية وإبطاء الارتفاع فى أسعار المساكن، خاصة فى مدن الدرجة الأولى، بما يتماشى مع مرسوم الرئيس الصينى شى جين بينج بأن المنازل مخصصة للعيش فيها.

 

كما أن الحكومة عازمة على التعامل مع إرث تركيزها السابق على نموذج نمو شدد بدوره على التصنيع المخصص للتصدير، وهو نموذج عمل ترك سماء البلاد صفراء اللون وأنهارها ملوثة.

 

ومع ذلك، لا يجب أن يعنى الالتزام بتنظيف البيئة تسجيل نمو اقتصادى أبطأ، فعلى سبيل المثال، سيتعين على الدول الأخرى التى قدمت التزامات مماثلة بحيادية الكربون فى العقود المقبلة أن تلجأ إلى الصين للحصول على مدخلات حيوية، مثل الألواح الشمسية فى ظل تحولها من استخدام الفحم إلى الطاقة الشمسية.

 

وعلاوة على ذلك، فإن التزام الصين بالتكنولوجيا فى المستقبل، بما فى ذلك كل شىء بداية من مصادر الطاقة المتجددة إلى الروبوتات ومن التجارة الإلكترونية إلى السيارات الكهربائية، سيزيد من قدرتها التنافسية، خاصة بسبب انخفاض أعداد البنية التحتية القديمة.

 

ومن المؤكد، أن الاحتفال بعام الثور سيكون أكثر اعتدالاً مما كان عليه فى عام 2019، قبل أن يسمع أى شخص عن وباء «كورونا»، حيث يتوقع انخفاض السفر فى العطلات محليا بنسبة %70 عن مستواه المنخفض بالفعل العام الماضى.

 

كما أنه من المرجح أن تشهد الطبقات الوسطى الحضرية نموا أبطأ فى الأجور مقارنة بالعمال المهاجرين على خطوط التجميع فى المدينة، مما يقلل من فجوة الدخل الآخذة فى الاتساع.

 

وفى الوقت نفسه، تسبب الطقس البارد والثلج المتساقط فى بداية يناير 2021 فى تعطيل مشاريع البناء والتصنيع، تماماً كما بدأ وباء «كورونا» فى تعطيل السفر مرة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!