اخبار الاقتصاد

أوروبا تعيد عقارب الساعة إلى الوراء لإنقاذ شركات الطيران

استطاعت الحكومات الأوروبية العودة إلى الوراء. فبعد تفعيل الخصخصة فى قطاع الطيران قبل عقدين من الزمن، تسببت أزمة فيروس كورونا فى حدوث انعكاس حاد فى السياسة، إذ خصصت دول القارة مليارات من اليورو كمساعدات حكومية لإنقاذ الناقلات الوطنية.
ورفعت باريس حصتها فى شركة «إير فرانس كيه. إل. إم» إلى نحو %30، واستحوذت برلين على حصة مقدارها %20 فى «لوفتهانزا»، فى حين تمتلك روما %100 من «أليتاليا»، حيث اُستثمر أكثر من 20 مليار يورو فى شركات تعتبر ذات أهمية استراتيجية للغاية، لدرجة أنه من الصعب تعرضها لأى فشل.
لكن رد الفعل العنيف ضد دعم الدولة يتنامى، إذ تخشى شركات الطيران المنافسة عدم تكافؤ الفرص والمنافسة المشوهة، حسبما ذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية.
وفى حين تدافع الحكومات عن الاستثمار باعتباره ضرورياً لإنقاذ شركات الطيران التى تواجه مخاطر غير مسبوقة قصيرة الأجل، يقول النقاد، إنَّ المال العام قد يسمح لشركات الطيران المدعومة بتجنب القرارات الصعبة اللازمة لتحقيق النمو على المدى الطويل.
كان مايكل أوليرى، رئيس شركة «رايان إير»، من أشد المنتقدين لهذه الاستراتيجية، فقد رفع 16 قضية لاختبار قواعد مساعدات الدولة فى المحاكم الأوروبية.
وجاء ذلك بحجة أن الدعم المتاح لشركات النقل الجوى مجرد دعم قائم على التمييز، ويقوّض السوق الموحدة للاتحاد الأوروبى فى مجال السفر الجوى.
قال الرئيس التنفيذى الأيرلندى، إنَّ الشركات، مثل «إير فرانس»، لن تكون قادرة على سداد تلك المعونات للحكومات، لكنها ستكون قادرة على «دعم وقمع المنافسة خلال العقد المقبل».
وكانت «رايان إير» خسرت جميع القضايا الخمس التى تم البت فيها حتى الآن.
ومع ذلك، قال «أوليرى»، فى مقابلة مع صحيفة «فاينانشيال تايمز»، إنه يعتقد أن هناك «احتمالاً قوياً للغاية» بالنسبة لشركة الطيران منخفضة التكلفة الخاصة به أن تلغى الأحكام عند الاستئناف.
كما أن الوباء سلط الضوء، أيضاً، على الاختلافات بين الأوروبيين القاريين؛ حيث تم تخفيف قواعد المساعدة الحكومية من أجل مساعدة الشركات على النجاة من تداعيات الأزمة.
وأشارت «فاينانشيال تايمز» إلى أن البريطانيين والأمريكيين امتنعوا عن الحصول على حصص فى الأسهم، رغم تقديم قروض بمليارات الدولارات وغيرها من أشكال الدعم المالى، ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن شركات الطيران الخاصة بهم ستظهر أقوى لأنها اضطروت إلى إجراء تخفيضات كبيرة للتغلب على الأزمة.
قال شاى فايس، الرئيس التنفيذى لشركة الطيران «فيرجن أتلانتيك»: «عندما نخرج من هذا، سيكون من اليسير بالنسبة للشركات، التى ليس لديها حكومات فى سجلها، إجراء تحسينات مستمرة، وستكون نشيطة وسريعة».
وأضاف: «أعتقد أن رد الديون سيكون بمجرد أن نكون فى ملاذ آمن، فقد تعلمنا للتو العمل مع شركات طيران أخرى تتلقى الدعم».
وسبق أن رفضت شركة «فيرجن أتلانتيك»، الحصول على حزمة إنقاذ من الحكومة البريطانية العام الماضى، لكنها حصلت على الأموال من القطاع الخاص.
قام الرئيس التنفيذى أوليرى، المتفائل باستمرار، بتأييد الخطوة التى اتخذتها «فيرجن أتلانتيك»، كما أنه أصر على أن التدخل الحكومى يخلق فرصة طويلة الأجل لشركات الطيران مثل شركته «لتصبح أكثر كفاءة وتنافسية لتتمكن فقط من النجاة مقابل مليارات المساعدات الحكومية».
لكن الدعم أكد، أيضاً، أهمية شركات الطيران كأصحاب عمل مهمين وأصول استراتيجية لم تكن الحكومات على استعداد لتركها تفشل خلال الأزمة.
ولم تكتفِ الشركات بالترحيب بالدعم، للتعامل مع التراجع الكبير فى أعداد الركاب، لكن انخفاض أسعار الأسهم جعلها بمثابة أهداف استحواذ أرخص بالنسبة للمنافسين الأجانب.
وفى إشارة إلى التهديد المحتمل الذى تشكله المجموعات الأمريكية أو الصينية على الأسهم فى الشركات المحلية فى القارة، قال مارتن فيال، الذى يدير استثمارات الأسهم الحكومية فى فرنسا، لـ«فاينانشيال تايمز»: «هذه الأزمة أعادت إحياء المخاوف القديمة فى أوروبا».
وأكد ضرورة توخى الحذر من جانب الحكومات، والتأكد من أن بعض أكبر الشركات، سواء الخاصة أو العامة، فى هذه الدول، لن تقع ضحية للحيوانات المفترسة؛ لأنه من الواضح أن الأزمة ستفتح الفرص لمثل هذه الأمور.
كما أن «فيال»، الذى يشغل منصب عضو فى مجلس إدارة «فرانس إير كيه. إل. إم»، أكد أيضاً أن شركات الطيران مهمة من الناحية الاستراتيجية «بالنسبة لفرنسا كما هى بالنسبة للدول الأوروبية الأخرى».
ويتفق المحللون على أن هناك حجة قوية للنظر إلى شركات النقل على أنها استراتيجية فعالة.
وقال دانيال روسكا، محلل شركات الطيران لدى «بيرنشتاين»: «لنفترض أن شركة متوسطة الحجم من فرنسا ترغب فى بناء مصنع إنتاج جديد فى براتيسلافا. هل ستبنى هذا المصنع فى براتيسلافا، إذا لم يكن بإمكانها الاعتماد على وجود خدمات جوية متسقة فى ذلك المكان؟». ويعتقد أن العديد من شركات الطيران كانت ستنهار دون دعم الدولة، فقد شهد العالم قيام الدول بشكل عام بضخ الأموال للحفاظ على الخدمات ومساعدة هذه الشركات على النجاه خلال الأزمة، ولو لم تفعل الحكومات ذلك، لكانت عانت من طوفان من حالات الإفلاس.
ومن المؤكد أن تعافى شركات الطيران قد يستغرق وقتاً أطول من المتوقع. فقد قال روسكا إنَّ شركات الطيران القديمة يمكن أن تعانى ندوب الأزمة لسنوات، بينما تكافح من أجل تقليص الديون، وإعادة الهيكلة للتكيف مع سوق أصغر، وبالتالى فإنَّ الثمن سيكون نمواً أقل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *